(تطور مراكب الصيد ورحلات الصيد والتجارة فى محافظتى البحر الأحمر وجنوب سيناء)


بقلم صالح سليمان الرشندىحدوتتنا النهردا وفى (جزئها الثانى) من عنوانها الكبير (تطور مراكب الصيد ورحلات الصيد والتجارة فى محافظتى البحر الأحمر وجنوب سيناء) وهى "حكاية كبيرة" عبارة عن معلومات وحقائق وأحداث جميعها حدثت بالفعل وتحكى تفاصيل كثيرة نسردها على عدة أجزاء أو حواديت فى سياق توثيقى متسلسل، وهى تمثل جزء من تاريخ بلدنا رواة لنا آبائنا وأعمامنا الذين عاصرو تلك الفترة وكانو جزء من أحداثها رحم اللة من مات وأطال اللة فى أعمار الأحياء منهم، سنتحدث عن رحلة الصيد "العزبة" والتى وجهتها جنوب البحر الأحمر.الجزء الثانى: "العزبة".العزبة هى رحلة الصيد الطويلة التى يقضيها الصيادين فى البحث عن أسماك معينة يمكن حفظها بالتمليح، ففى الشتاء يصطادون أسماك البورى وتحفظ بالتمليح وتتحول إلى فسيخ، وفى الصيف يصطادون أسماك "العنبر أو البربونى" ويحول إلى فسيخ أيضا وأسماك الحريد وغيرها تملح ثم تجفف، هذة الرحلات لاتقتصر على مناطق الجزر والشعاب القريبة بل تمتد خارج الحدود وإلى سواحل وجزر بعض الدول المطلة على البحر الأحمر مثل (العربية السعودية والسودان واليمن وأريتريا).أشهر هذة العزبات وأطولها من حيث الوقت والمسافه هى التى كان يقصدها البحارة فى إتجاة الجنوب بحثا عن أسماك "البورى" وصولا إلى سواحل وجزر (اليمن - أرتريا - السودان) الغنية بتلك الأسماك.بدأت هذة العزبات فى أوائل الخمسينات على هيئة رحلات إستكشافية بحثا عن أسماك البورى وأشهرها (الجيلانى – الصفراوى – العورة) إنطلقت من مدينة الغردقة على متن "قطاير العمدة على سعد" إشترك فيها صيادين من السعودية الذين تربطهم صلة قرابة ونسب بصيادين الغردفة والقصير والطور وخصوصا من يسكنون المناطق الساحلية مثل مدن (ضبة - الوجة - المولح - قيال – الخريبة) القريبة جغرافيا إلى حد ما من الحدود المصرية، ومن أسماء هؤلاء البحارة القدامى (دخينان – عيقلى وأخية عيد – الجميدى .... وغيرة) وهناك صيادين من الغردقة والطور مثل ( مبيريك – حسين أبو جاسر – عبد ربة – حسين عيد – إبراهيم قناص وأخية أحمد .... وغيرهم)، وكانو يستعينون بخبراء طريق من السودانيين سكان القرى الساحلية ليدلونهم على أماكن تواجد أسماك البورى ويرافقونهم فى الرحلة ثم يرجعونهم إلى قراهم فى طريق العودة مقابل قدر من الدقيق أوالأرز، ثم أكتسبو منهم الخبرة وتناقلوها بين بعضهم البعض وقامو بتنفيذ رحلاتهم دون الحاجة إليهم.ساهم ذلك فى تزايد عدد القطاير المتجهة إلى تلك المناطق ونذكر لكم أسماء ملاك البعض منها مثل (أبو مرعى – أحمد الرشيدى – عبد الرحيم أبو مصلح واخوانة درويش وجمعة – جازى أبو جاسر – عائلة البدارة – محمد عودة الرشندى – محمد راشد الجهنى – سعد قديرة .... وغيرهم).وكانت تنطلق هذة الرحلات من المدن (الطور - الغردقة – القصير – رأس أبو على أو رأس بناس) وذلك بالمراكب الشراعية الكبيرة التى تسمى "القطاير" ومفردها "قطيرة"، وظلت مستمرة وشاركتها اللنشات ذات المواتير الثابتة فى أواخر السبعينات ثم سرعان ما توقفت نهائيا فى منتصف الثمانينات.وإليكم بعض المعلومات عن القطيرة: يصل طولها إلى 35 متر تسيرها ثلاث شراعات بمقاسات مختلفة الكبير منها يسمى "الوسطى" والمتوسط يسمى "الفتينى" والصغير يسمى "القلمى" وكلا لة إستخدامة على حسب شدة الرياح وإتجاهاتها، وتحمل على ظهرها مابين 4 إلى 6من المراكب الصغيرة تسمى (الدنقى – الهورى) تتراوح أطوالها من 5 إلى 7 أمتار تسير (بالمجداف أو المطرحة)، وعند وصول القطيرة إلى مكان الصيد يتم إنزالها إلى البحر وتوضع بها الشباك المخصصة لصيد سمك البورى وتسمى (عدة غزل البوص). كما تحمل القطيرة فى باطنها الزوادة وكثير من الأغراض الضرورية مثل: - براميل مصنوعة من الخشب لحفظ الأسماك المملحة "الفسيخ" ويصل عددها إلى 2500 برميل أحيانا سعة الواحد منها أكثر من 150 كيلو وترص فى صفوف وطبقات فوق بعضها البعض تصل إلى خمس طبقات على حسب حجم وسعة القطيرة، وفى مراحل التجهيز للعزبة يتم جلبها من المخازن ووضعها فى البحر ليتشبع خشبها بالماء ومن ثم تغلق كل الفتحات والمسام ويقال البراميل "رمت" أى أنها جاهزة للأستخدام. - عدد من أجولة الملح يصل مجمل وزنها إلى 10 أطنان لإستخدامها فى حفظ الأسماك. - عدد من البراميل الحديدية توضع بها المياة العزبة لأغراض الشرب والطبخ تكفى حتى دخولهم الأراضى السودانية حيث يمكنهم ورود الآبارالقريبة من البحر والتزود منها بالمياة العزبة. - عدد 200 جوال من الدقيق لعمل الخبز "الفطير" على ظهر القطيرة حيث يسوى على قطعة من الصاج توضع على نار الحطب التى توقد فى "الصريدانى"، ويستخدم الدقيق أيضا فى المقايضة لشراء بعض المستلزمات الخاصة بالبحارة وما ينقص من الزوادة، كما أنة يتصدق منة أيضا على بعض العائلات المتواجدة على السواحل السودانية التى تتابع القطيرة عند إقترابها من الساحل وفى طريقها إلى المرسى ويمشون مسافات كبيرة وأنظارهم متجهة إلى البحر وفور رسوها بالقرب من البر يكونوا فى إنتظارها أملا فى الحصول على كيلة من الدقيق أوالأرز يقتاتون بها ومنهم من ينتظر ساعات طويلة ليشارك البحارة فى وجبة الغداء أو العشاء.- عدد يصل إلى 200 جوال من الأرز لإستهلاكها طول فترة العزبة ويسمح "ريس القطيرة" للبحارة بإحضار من 1 إلى 3 من الأجولة لكل فرد على حسابهم الخاص مع بعض السلع مثل (الصلصة والحلاوة الطحينية وحجارة الراديو) التى تلقى رواجا لدى السودانيين للمقايضة بها ببعض الأغراض مثل (أجهزة الراديوالترانزستر والمسجلات واشرطة اغانى الفلكلور اليمنى والسعودى وكذلك صوانى الطعام وقماش التاترون الأبيض والحناء وبعض أغراض السيدات من المشغولات اليدوية والخرزوكذلك عنبر الخام والسندروس والطباخة ذات الفتايل التى تعمل بالجاز الأبيض .... وغيرها). - ويوجد على ظهر القطيرة أيضا "الصريدانى" وهوة عبارة عن نصف برميل من الحديد قاعة مفروش بطبقة سميكة من الرمل لإمتصاص الحرارة والحيلولة دون وصولها إلى جسم المركب، ويعتبر مصدر الحرارة الوحيد لكل أعمال الطبخ و الشاى والقهوة.كما يحملون معهم باقى الإحتياجات من الزوادة مثل السكر والشاى والبن والصلصة والبصل والعسل الأسود والزيت ...... وغيرة، ومن الأشياء الضرورية بعض مستلزمات الأسعافات الأولية البسيطة وعدد من لفافات قماش "التيل" الكبيرة لإستخدامة فى صنع الشراع أو ترقيعة إذا ما حدث بة تمزيق نتيجة شدة الرياح وأيضا يستخدم "كفن" إذا ما حدثت حالات وفاة لاقدر اللة أثناء الرحلة.أما طاقم البحارة الذى يصل عددهم إلى 17 بحارا لهم مراتب ودرجات على حسب الخبرة والذكاء والقوة البدنية والعضلية ولكل مرتبة أو درجة مسمى ومهام موكلة لة نظير زيادة فى المقابل المادى ويمكن إستعراضها كلآتى : 11- "الناخوزة" أو الريس وهوة قائد القطيرة والآمر الناهى ولة خبرة فى القيادة ولإبحار والسفر ومعرفة أماكن تواجد الأسماك وهو من يقوم بإصدار الأوامر وتوزيع المهام على البحارة، ويتميز الناخوزة بالسطوة وبقوة الشخصية والزكاء وحسن الإدارة والتغلب على العقبات التى يمكن أن يتعرض لها خلال الرحلة ويتقاضى (ثلاثة أسهم) نظير ذلك. 22- "المقدم" وهوة شخص زو حكمة وخبرة وعلى قدر عالى من المسئولية وهوة بمثابة وزير تموين القطيرة التى لايغادرها تقريبا، هوة من يتحكم فى صرف وتوزيع الزوادة اليومية والمياة حيث يصرف لكل فرد ملىء عبوة صغيرة من الصفيح المستخدمة فى العصير والتى لا تتعدى الواحدة ( 150 مللى) 3 مرات فقط على مدار اليوم كلة، وهذا المعيار يسمى "الكوز" يحتفظ بة المقدم فى الصندوق الخشبى الذى هوة بمثابة الخزينة مع تصاريح وأوراق القطيرة لما لة أهمية قى تنظيم إستهلاك أهم شيىء ألا وهو الماء، مما يضطر بعض البحارة عند شعورهم بالعطش الإستيقاظ فى منتصف الليل ويتسحبون خلسة حتى لايشعر بهم أحد ويكتشف أمرهم وخاصة الريس والمقدم ويحضروا معهم بوصة من الشباك ويضعوها داخل برميل المياة ليروى كلا منهم ظمأة، ومن مهام المقدم أيضا انة المسئول عن تمليح الأسماك فى البراميل ومتابعتها حتى تنضج وتتحول إلى فسيخ، ويتقاضى نظير ذلك (سهم ونصف السهم).33- "المقوام" وهوة شخص ذو خبرة فى عملية الصيد حيث يتميز بحواس عالية الحساسية والتى يستخدمها بصفة دائمة فى معرفة تواجدالأسماك وكمياتها بحاسة النظر فى النهار، وبحاسة السمع يستطيع تحديد أماكن الأسماك وتتبعها فى الليل بالقرب من غابات أشجار " الشورا أوالمانجروف" الموجودة هناك بكثافة فيقوم بتوجية المسئولين عن أطقم البحارة المتواجدين فى المراكب الصغيرة وإعطائهم إشارة البدء فى رمى الشباك، ويتقاضى نظير ذلك (سهم وربع السهم). 44- "الرماى" وهوة الشخص المسئول عن رمى عدة شباك البوص بطريقة صحيحة حتى لاتتشابك وتهرب منها الأسماك ويتم توجية طاقم البحارة الخاصة بة فى المركب الصغيربعد تلقية الأوامر من المقوام برمى الشباك ومراقبتهم، ويتقاضى نظير ذلك (سهم وربع السهم). 55- "الطباخ" وهوة فى الأصل بحار عادى لدية خبرة فى طهى الطعام وعمل الفطير والشاى يقوم بهذة المهمة إلى جانب مهامة كبحرى ودن التأثير عليها، ففى الصباح الباكر يقوم بخبز الفطير ويوزع على كل فرد نصف واحدة مع كوب من الشاى ثم فى الظهيرة يقوم بطهى السمك مع الأرز وفى المساء يخبز الفطير ويوزع واحدة لكل فرد مع كوب من الشاى، ويتقاضى نظير ذلك (سهم وربع السهم).66- "الكللاب" هوة من البحارة من يجيد السباحة فعند إقتراب القطيرة من المرسى للمبيت يتم إنزال الشراع من على بعد ويتم التوجهة بـ "السكان" أو "الدفة" حتى تنتهى قوة إندفاعها وعند إقترابها من شعاب مكان المبيت يأمرة الريس بالقفز فى البحر حاملا معة "الكللاب" أو "الهلب" وهو صغير الحجم ولة حبل طويل ورفيع فيثبتة على أقرب صخرة ثم يعطى الإشارة فيقوم باقى البحارة بجذب الحبل وإيقاف إندفاع القطيرة ثم يعاود البحار فى تغيير وتبديل مكان الكللاب متجها إلى مكان وقوفها بتوجيهات من الريس إلى أن يدخلوها فى المكان الآمن ثم يستبدل "بالبروسيات" أو"الأناكر" الكبيرة لتثبيتها ولضمان بقائها بعيدة عن الشعاب المرجانية حتى فجر اليوم التالى، ويتقاضى نظير ذلك (سهم وربع السهم).ثم بعض البحارة المتميزين بالخبرة أوالبنية الجسمانية فتوكل لهم بعض المهام الصعبة دون الآخرين تتعلق بتحويل وإدارة إتجاة الشراع وهى مهمة فنية خطيرة يكلف ريس القطيرة بها من تتوافر فية هذة المميزات لأن الخطأ فيها قد يكلفة حياتة.ومن البحارة من يتسلق "الدقل" أو"الصارى" ليكشف الطريق كإنزار مبكر خصوصا فى الأيام التى تنعدم فيها الرؤية مثل الغيوم والعواصف الرملية وفى حالة "الصيرم" وهوة إنعكاس ضوء الشمس من سطح البحر، هذة الحالات تربك تشتت تفكير الريس لأنة يعرف جيدا ما قد يحدث إذا ما إصتدمت القطيرة لا قدر اللة بالشعاب و إحتمال ضياع أرواح وممتلكات وحمولة أيضا لذلك يكون عذا البحارفى تواصل دائم مع الريس وإخبارة أولا بأول بما يراة من جزر أو شعاب، ويمكنة أيضا تحديد مداخل المراسى عند الإقتراب منها وهذة مهام لايتقاضون عليها أجر وتعتبر من صميم أعمال البحار العادى الذى يتقاضى فى الأصل (سهم واحد).وموعدنا فى الجزء الثالث إن شاء اللة لكى نصحبكم فى رحلة من هذة الرحلات لنتعرف على مايدور فى كواليسها.وسلامتكم ،،،،،،،

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغردقة تحتضن حفل تكريم كامل أبو علي كرجل الأعمال الأفضل لعام 2025

أربع مواجهات نارية اليوم في كأس الأمم الأفريقية 2025 والجمهور ينتظر الإثارة

مقتل شاب في مشاجرة بمدينة الغردقة: التحقيقات قيد التجريب والجثة تم نقلها للمشرحة