"العزبة" ورحلة الصيد إلى (السودان وأريتريا وجزر اليمن).




بقلم صالح سليمان الرشندى 
عندما يقترب موعد العزبة يقوم الريس بالإعلان عن موعد قيامها فيأتى إلية كل من يرغب المرافقة لمقبلتة، وبعد الإتفاق يحصل البحرى على مبلغ من المال يسمى " تقدمة" على سبيل السلفة يتركة لأولادة ليتعايشوا منة خلال فترة غيابة حتى يرجع ثم يتم خصمة من حسابة، ويقول البحرى إننى "تميت" مع الريس فلان أى إلتحقت بة وأصبحت من أفراد الطاقم، وعند إكتمال عدد طاقم البحارة يقال القطيرة "تمت" أى أنها إكتفت من البحارة.
يبدأ التجهيز للعزبة فى مدة لاتقل عن 15 يوم وتسمى فترة "التشهيل" يتواجد خلالها البحارة كل يوم من الصباح حتى المساء فى مكان العمل لنقل كل الأغراض التى ذكرت من قبل و"مراوستها" أى ترتيبها ووضعها فى اماكنها المخصصة، وأيضا تجهيزالشباك وتقشيرالبوص الخاص بها.
غالبا ما يكون موعد قيام هذة الرحلات قبل دخول الشتاء وفى شهر سبتمبر تحديدا ومدتها من ثلاثة شهور إلى سبعة شهور على حسب كمية الأسماك التى يرزقهم بها اللة، وتستغرق رحلة الذهاب حوالى 13 يوم من السفر المتواصل مع إتجاة الريح إبتداء من الفجر إلى غروب الشمس وأحيانا يوصلون الليل بالنهار وتسمى (بياتة) حتى الوصول إلى أول مكان للصيد داخل الأراضى السودانية ويسمى (رقاق هنديز) ثم يتنقلون بين المصادات فى إتجاة الجنوب مرورا بأماكن عديدة منها: هيدوب - الشيخ الشامى واليمانى - خورأشت - رأس البر - جزر الشبك - رأس عسيس - غبة مساجد وعقيق وبها جزر أبو العباس - جزيرة عميرات - جزر تلا تلا - جزيرة كشة - رأس دبير – منطقة عبيدة وبها (جزر فساكات - جزيرة أم لهيمان - خور البجع - خور نورة - خور أبوزيد - خور حنا - قاد إسكندرية) – غبة قيصارة ألى أن يصلو إلى (غبة الخضر) وهى آخر حدود السودان مع أرتريا، ثم يمكنهم الخروج قليلا ناحية الشرق حيث جزر اليمن المتناثرة أومواصلة طريقهم بمحازاة الساحل داخل الأراضى الأرترية مرورا بمصادات (بيرسيب - المطلاة - أبو لابس – المطبة – الشبرور – مرسى إبراهيم – جزيرة دفنين – جزر حرمل – عصرتوة - عنطلوة – بستلة – حارات – الدحل – أم شويراء – فسوة – غبارى – سحليت – نورة – سيل السيجان – جزيرة أم اكبينات – دهلك – دلكوس – مشيرع – بلحة – هواكن – هوكان – الدراكة - قراب).
يبدأ يوم العمل مع طلوع الفجر حيث يقوم الريس بالنداء بصوت عالى ويقول "على اللللللللللللله" أو يقول " قياااااااااااام" لمرة واحدة فقط فينتفض ويستيقظ كل من على متن القطيرة ويتوضئون ويصلون الفجر ثم يتلقون التعليمات من الريس عن كيفية سير أعمال الصيد فى هذا اليوم، ثم يتوجة كل بحار إلى مركبة الصغيرة ويقوم بنضح المياة منها ويضع بها الشباك وقليل من الزوادة والماء على قدر الفترة التى سوف يقضيها بعيد عن المركب الأم، ثم يتوجهون نحو البر حيث أماكن تواجد مجموعات أسماك البورى يتقدمهم "المقوام" وهوة الشخص ذو الخبرة والمسئول عن عملية الصيد وغالبا ما يكون ريس القطيرة حيث يقوم بتوجية البحارة عند رؤيتة لمجموعة الأسماك المراد صيدها وإعطاء التعليمات لكل مركب من المراكب الصغيرة المحملة بالشباك الجاهزة لتطويقها وإحتوائها، ثم تجمع كمية الأسماك فى آخر اليوم ويتم إرسالها إلى القطيرة لتمليحها.
أحيانا تبتعد المراكب الصغيرة "الدناقى والهوارة" عن القطيرة الأم مسافات بعيدة تصل إلى أكثر من 10 كيلو متر بحثا عن مجموعات أسماك البورى، فكانو يصنعون طعامهم على البر عن طريق إشعال النار فى كمية كبيرة من الحطب لشوى الأسماك وعمل رغيف خبز كبير يسمى "قرص الملة" وهوعبارة عن مقدار من عجين الدقيق المتماسك يبسط على الرمال الساخنة بعد إزاحة الحطب المشتعل والجمر والرماد من عليها ثم يدفن لمدة نصف الساعة حتى ينضج ثم يخرجوة وتزال منة العوالق ثم يقسم إلى قطع ويوزع على البحارة، هذا القرص لة طعم مميز يعشقة البحارة والبدو فى الصحراء الذين يطلقون علية إسم (لبة).
عندما ترسو القطيرة بالقرب من تواجد عرب الرشايدة الذين يسكنون شمال وشرق السودان ويتصادف وجود حفل زفاف عندهم يطلبون من البحارة مشاركتهم الولائم وإحياء الحفل لعدة أيام بلعب السامر "الرفيحى" وهو من تراث عرب (القزايزة والرشندية) فيستجيبو للدعوة بعد أخذ إذن الريس ثم يعودون إلى القطيرة فى وقت متأخر من الليل بعد إنتهاء العرس، ومن الطريف أن عرب الرشايدة من شدة حبهم وعشقهم للرفيحى وفرحتهم بقدوم البحارة إلى مناطقهم كانو يتظاهرون بأن عندهم عرس ليستمتعوا بلعب السامر وقضاء البحارة بعض الوقت بينهم لتجاذب أطراف الأحاديث والحكايات نظرا لصلة القرابة التى تجمعهم بالبعض وتقارب العادات والثقافات التى تجمعهم بالبعض الآخر، إن لم تكن ثقافة واحدة تربط تلك القبائل بنظيراتها فى مصر.
كما يتصادف أيضا قدوم بعض المراكب التى تسمى"السنابيك" ودخولها الساحل لتحميل الغنم من السودان وتهريبها إلى ميناء جدة بالسعودية، وقبل غروب الشمس بساعات يشاهدون البحارة الغبار يتطاير من وسط الجبال نتيجة قدوم قطعان الخرفان المتجهة نحو البحر وعند حلول الظلام تكون قد وصلت المكان المتفق علية بين التجار وأصحاب المراكب، وتيدأعملية التحميل فيطلبون مساعدة البحارة فى نقل الخراف إلى السنابيك وفور الإنتهاء من تحميلها يحصل البحارة نظير ذلك على خروف سمين يقومو بزبحه فى اليوم التالى ويتناولون منة وجبة الغداء.
عند نقص الحطب يقوم إثنين من البحارة بجلب بعض الحزم من الغابات القريبة وذلك فى النهار وقبل دخول الليل خوفا من الضباع والحيوانات المفترسة التى تتخذ الغابات ملازا لها، وأيضا عند نقص المياة يتم التزود من الآبار القريبة ألى حدا ما من البحر وأشهرها الموجودة بجزر أبو العباس المفصولة عن اليابس وهى مثيرة للعجب رغم تواجدها فى جزيرة وتحيط بها مياة البحر المالحة من جميع الجهات إلا أن مياهها عزبة.
عند إبحار القطيرة وتعرضها للأمواج العالية تتحرك معها المياة داخل البراميل الحديدية فيقوم الصدأ بالزوبان فى المياة فيضطر البحارة الشرب منة بعد أن يصفى بواسطة قطعة من القماش الأبيض للتخلض من العوالق قدر المستطاع، كما ان نقص المياة العزبة وتعرض أجسام البحارة للمياة المالحة طوال الوقت كانو يصابوا بإلتهابات فى منطقة الفخاذ والتى تسمى "السلاق" وعند رمى الشباك فى المناطق الطينية "الخوبة" القريبة من "الشورا أو أشجار المانجروف" التى ينتشر فى قاعها نوع من الرخويات ويطلق علية إسم "الحمطان" وعند وطىء البحارة علية بأرجلهم سرعان مايفرز مادة لاسعة تسبب آلاما شديدة فى الجلد لاتكاد تطاق وإحمرار وهرش متواصل مما يجعل الأمر كارثيا على المصابون بالسلاق.
عندما يكون الرزق كثير والصيد وفير تستكفى القطيرة فى غضون الشهر أو الشهرين وإذا وصلت حمولتا إلى أقصاها يقولون القطيرة "غلقت" أى لايمكن أن تحمل مزيد من الأسماك، وهنا يتخذ الريس قرار المغادرة والعودة إلى الديار، ورحلة العودة ليست بالسهلة لأنها تسيرعكس إتجاة الريح والتى تستغرق مدتها الشهر تقريبا من الإبحار المتواصل، لذا كانو يبحثون عن طرق ليزيدو بها من سرعة القطيرة فكانو يضطروا إلى سحبها إلى اليابس على شاطىء رملى من شواطىء الجزر القريبة وتسمى "زرة القطيرة" وهى مثل طلوع "الأزق" وذلك للتخلص من "الخسع" أوالطحالب العالقة بقاع القطيرة من الخارج والتى تعوق سرعتها، وفى هذة العملية يتم إنزال حمولتها وكل ماهو ثقيل إلى الشاطىء مثل البراميل الممتلئة بالفسيخ وبراميل المياة وما تبقى من جوالات الملح وغيرها، ثم يتم سحبها إلى اليابس وتنظيفها ويدهن قاعها من الخارج بالشحم لتكون سهلة الإنزلاق ثم يتم إعادتها إلى البحر وإرجاع حمولتها مرة أخرى وتبدأ رحلة العودة، وأحيانا ينتظروا الرياح الجنوبية التى تحملهم معها شمالا وتقربهم إلى الحدود المصرية يقطعون خلالها مسافات طويلة توفر لهم الوقت والمجهود.
عند سماع أهالى البحارة خبر وصول القطيرة يهرع الرجال والنساء إلى المرسى للإطمئنان على سلامة زويهم وكذلك الأطفال الذين لايستطيعون الإنتظار فيستقلون الهورى الصغير للوصول إلى القطيرة ليرتموا فى أحضان آبائهم وزويهم الذين لم يروهم منذ شهور عدة، وتبدأ مواسم الأفراح وحفلات الزواج التى أجلت بسبب غيابهم، وهاقد وصلو بسلامة اللة جالبين معهم الهدايا مثل أقمشة الفساتين والعطور والحناء والخواتم والمشغولات التى تحوز على أعجاب وإهتمام النساء والفتايات والأهم من ذلك كلة توفر النقود لتسديد جميع النفقات المتراكمة، وأيضا يقوم الشباب بتجهيز بيوت الزوجية لأنفسهم ومساعدة أخوانهم وأخواتهم المقبلين على الزواج.
تعتبر العزبة بمثابة مصنع للرجال ومركز تدريب يتخرج منة "ريسة" المستقبل هؤلاء الرجال سطرو بطولات عظيمة تمثلت فى تحملهم المسئولية فى توفير لقمة العيش لأهلهم رغم الظروف الصعبة والقاسية التى عانوها فى الإبحار خارج حدود البلاد والمجازفة بأغلى شيء عندهم وهى ارواحهم فى سبيل توفير الحياة الكريمة فى ظل غياب أدنى المقومات التى تسهل عليهم عملهم مثل الميكنة ومعدات الصيد نظرا لضيق اليد التى تعكس الحاله الإقتصادية التى مرت بها البلاد فى ظل ما تعرضت لة من حروب متتالية فى تلك الحقبة من الزمن.
موعدنا معكم إن شاء اللة فى الجزء الرابع عن العزبة فى منطقة "العقلة" داخل الأراضى السعودية بحثا عن أسماك "العنبرة أو البربونى".
وسلامتكم ،،،،،،،





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغردقة تحتضن حفل تكريم كامل أبو علي كرجل الأعمال الأفضل لعام 2025

أربع مواجهات نارية اليوم في كأس الأمم الأفريقية 2025 والجمهور ينتظر الإثارة

مقتل شاب في مشاجرة بمدينة الغردقة: التحقيقات قيد التجريب والجثة تم نقلها للمشرحة