بقلم صالح سليمان الرشندى


حدوتتنا النهردا وفى جزئها (الرابع) عن "العزبة"رحلة الصيد إلى "العقلة" داخل حدود المملكة العربية السعودية.
رحلة الصيد التى تسمى العزبة إلى منطقة العقلة يقصدها البحارة فى الصيف من كل عام مع بداية موسم أسماك "العنبرة أو البربونى" الذى يبدا مبكرا فى الأراضى السعودية وتحديدا فى شهر مايو بفارق شهر عن الأراضى المصرية التى يبدأ فيها فى شهر يونية، تتميز هذة المنطقة بمصادات كثيرة غنية بالأسماك التى تتواجد على شعابها الواسعة المحيطة بالجزر المتناثرة المحازية لليابس فى موسم أسماك العنبر تتجمع في أسراب كبيرة فى الأعماق ثم تتجة إلى هذة المنطقة فيكون الصيادين فى إنتظارها بشباكهم، يذهبون البحارة إلى تلك المنطقة بلنشات صغيرة الحجم نظام (السنبك والقدح) وماكينة بقوة 25 حصان ثابت ماركة (نصر) ومن أشهرأصحاب هذة اللنشات (حسن جاداللة – المطرى – سعد الرموزى – حسن سعيد – سليم راشد .... وغيرهم).
يجهز البحارة المراكب والشباك والزوادة شاملة جوالات الملح لحفظ الأسماك، وبعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر يقوموا بإدارة المحركات والإبحار متوجهين إلى نقطة الأنطلاق من شعاب "أبو رمادا" جنوب شرق مدينة الغردقة، ثم يقوموا برفع الشراع مستغلين الرياح الخفيفة لزيادة السرعة والإتجاة نحو الشرق والبدء فى عبور البحر الأحمر من الغرب إلى الشرق ولمدة 24 ساعة من السفر المتواصل قاصدين جزر العقلة التى تقع داخل المياة الإقليمية السعودية والمتناثرة قبالة مدينة "الوجة" ومدينة "أملج" التى يفصلها عن البر حوالى 50 كيلو متر على أن يتم الوصول ودخول هذة المنطقة خلسة فى الظلام والإختباء بين الجزر خوفا من دوريات البحرية السعودية نظرا لعدم قدرة هؤلاء البحارة الحصول على تصاريح من الخارجية تمكنهم من دخول الأراضى السعودية.
مجموعة جزر العقلة يتعدى عددها التسعون جزيرة وأشهرها من الشمال (النبقيات وعددهم 2جزيرة – شيبارة - أم كد – رأس غوار – أم رومة – ميزاب – حر – بريم – معرض – المنازك – مجموعة جزرالنعميات عددهم حوالى 20جزيرة ....... وغيرها)، وتشبة هذة الجزرفى تكويناتها مجموعة الجزر الموجودة فى مدخل خليج السويس قبالة مدينة الغردقة مثل ( جيسوم – مكورات – أم لحيمات ...... وغيرها).
بعد وصول اللنشات إلى المنطقة المقصودة يقوم البحارة بوضع لنشاتهم فى مناطق ملاصقة للجزر وعدم التحرك بها حتى يصعب رؤيتها من أفراد الدوريات السعودية والتحرك بالمراكب الصغيرة "الهورى"، بعد ذلك يقوم الصيادين بتجهيز شباكهم والتوجهة فى مجموعات إلى أماكن الصيد وتحديداعند أماكن مرور أسراب اسماك العنبر وهم فى جاهزية تامة وفور قدوم سرب من هذة الأسراب نحوهم يقومو بتطويقه بشباكهم ذات الطبقة الواحدة وجرفه ووضعه فى المراكب الصغيرة والإنتهاء من هذة العملية بسرعة للإستعداد للأسراب الأخرى القادمة إلى نفس المكان، وفى آخر اليوم يتم تقسيم الأسماك بينهم ويسمى هذا "طيبة" أى أن جميعهم شركاء فى الرزق ثم يتم حفظها بالملح فى غرفة فى جسم اللنش مخصصة تسمى الثلاجة وتمثل أكثر من ثلث المساحة الكلية للنش.
ومن المعروف أن إحتياجات السوق فى العربية السعودية يختلف عن نظيرة فى الأسواق الأخرى حيث أن الفسيخ لايجد رواجا وليس لة سوق على الإطلاق بين أفراد المجتمع السعودى وهذا قد أفسح الجال أمام الصيادين المصريين لصيد هذا النوع من الأسماك دون مزاحمة من الصيادين أصحاب الأرض والذهاب بة إلى الأسواق التى تنتظرة وخصوصا فى موسم شم النسيم.
وبعد إنتهاء الموسم يتفق البحارة مع بعضهم البعض على إختيار الموعد المناسب للمغادرة والمرافقة فى طريق العودة الذى لا يخلو من مخاطر الأمواج العالية والكبيرة من ناحية ومن ناحية أخرى خطر السفن التجارية المتجهة إلى قناة السويس والقادمة منها وخصوصا عند دخول الظلام حيث يصعب على البحارة تقدير المسافة بينهم وبينها وصعوبة المناورة والإبتعاد عن مسار هذة السفن العملاقة نظرا لسرعتها العالية والأمواج العكسية المرتدة من مقدمتها مع قوة الجذب نحوها نتيجة سحبها للميا ة أثناء سيرها بسرعة، ومما يزيد الخطر هوة بطىء سرعة لنشات الصيد وصغر حجمها وما تحملة من أسماك وبحارة ومركب صغير تحملة على ظهرها وغيرة، كل ذلك يحد من سرعتها ومن فرص المناورة يجعلها عرضة للإصتدام بواحدة منها.
وفى حادثة مفجعة هزت أرجاء مدينة الغردقة فى منتصف السبعينات راح ضحيتها سبعة من خيرة الرجال والشباب وهم فى طريق عودتهم من العقلة إلى الغردقة وهم (محمد حميد - أحمد حميد - سيد مبارك – محمد على – عوض أحمد) وجميعهم من قبيلة جهينة و(على حسين) من قبيلة عبس و(عيد حسين) شقيق الحاج مرجان حسين من مدينة الطور، يحكى من كان قريب من الحدث أن الضحايا كانو على متن لنش محمل بكمية كبيرة من الأسماك المملحة "الفسيخ" والتى كانت وفيرة فى هذا الموسم فبعد أن إمتلأت الثلاجة عن آخرها لم يجدو مكان فقامو بتمليح الأسماك فى باطن المركب الصغير "الهورى" حتى إمتلأ عن آخرة.
هناك قواعد يتبعها البحارة لتجنب الأخطار بقدر الإمكان وخصوصا عند الإبحار فى المناطق المفتوحة أوعبور البحر بالعرض، فمن المعتاد فى حالة العبور من منطقة العقلة إلى سواحل مدينة الغردقة فى الجانب الغربى يتم الإتجاة شمالا حتى الوصول إلى مدينة "المويلح" ثم العبور غربا لتضييق الهوة والمسافة المطوعة والتى تمثل الخطر، وهذا مالم يتبعة هؤلاء البحارة بل عبروا من مكان الجزر إلى عرض البحر مباشرا هذا أولا، ثانيا يجب التنبؤ بحالة الجو وسرعة الرياح المتوقعة خلال فترة الإبحار وتواجدهم فى المناطق الخطرة فلم يأخذ فى الإعتبار أى من هذا.
ففى هذا اليوم المشئوم كانت الرياح جنوبية التى غالبا ما تأتى بعدها العواصف الشمالية مباشرا وبدون سابق إنزار ويسميها البحارة "الخلفة" وهذا ماحدث بالفعل ..... بعد أن بدأو بالإبحار فى المساء بساعات قليلة توقفت الرياح الجنوبية "الأزيب" وفجأة ضربتهم العاصفة الشمالية فى عرض البحر وتعالت عليهم الأمواج كالجبال فكان من الصعب عليهم العودة وأصبح لاحول لهم ولا قوة وتركو امرهم إلى اللة الذى نفذ أمرة، لم ينجو منهم أحد ولم تظهر لهم جثث حتى يومنا هذا ولاأحد يعرف تفاصيل ماحدث معهم بالفعل ولكن الكل على يقين أنهم غرقوا جميعا، حتى إذا حاول أحد البحارة أن يتشبث بأى جسم طاف على السطح فلن يسلم من الأسماك المفترسة والقروش ذات الأحجام الكبيرة التى سرعان ما تتجمع نتيجة إنتشار حمولة اللنش من الأسماك.
وفى النهاية نقول اللهم إرحمهم جميعا برحمتك واسكنهم فسيح جناتك، ونقول لكل من شارك فى هذة العزبات وعاش حلوها ومرها لكم منا كل الأحترام والتقدير والعرفان إنكم حقا نعم الرجال ستذكركم الأجيال القادمة وستذكر سيرتكم العطرة وتضحياتكم بكل خير وأن التاريخ قد خلد نضالكم الشريف من أجل لقمة العيش.
موعدنا إن شاء اللة تعالى فى (الجزء الخامس) والحديث عن بعض الحوادث التى تعرض لها البحارة فى رحلاتهم إلى أقصى جنوب البحر الأحمر.
تعليقات
إرسال تعليق